فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأخرج ابن سعد عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت أنا أم الرجال منكم والنساء وعليه يكون ما ذكر وجه الشبه بالنسبة إلى الرجال وأما بالنسبة إلى النساء فهو استحقاق التعظيم، والظاهر أن المراد من أزواجه كل من أطلق عليها أنها زوجة له صلى الله عليه وسلم من طلقها ومن لم يطلقها، وروى ذلك ابن أبي حاتم عن مقاتل فيثبت الحكم لكلهن وهو الذي نص عليه الإمام الشافعي وصححه في الروضة، وقيل: لا يثبت الحكم لمن فارقها عليه الصلاة والسلام في الحياة كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضًا، وصحح إمام الحرمين والرافعي في الصغير تحريم المدول بها فقط لما روى أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فهم عمر برجمه فأخبره أنها لم تكن مدخولًا بها فكف، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه هم برجمها فقالت له: ولم هذا؟ وما ضرب على حجاب ولا سميت للمسلمين أما فكف عنها، وذكر في المواهب أن في حل من اختارت منهن الدنيا للأزواج طريقين:
أحدهما: طرد الخلاف والثاني: القطع بالحل، واختار هذا الإمام والغزالي، وحكى القول بأن المطلقة لا يثبت لها هذا الحكم عن الشيعة، وقد رأيت في بعض كتبهم نفي الأمومة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم فوض إلى علي كرم الله تعالى وجهه أن يبقى من يشاء من أزواجه ويطلق من يشاء منهن بعد وفاته وكالة عنه عليه الصلاة والسلام وقد طلق رضي الله تعالى عنه عائشة يوم الجمل فخرجت عن الأزواج ولم يبق لها حكمهن وبعد أن كتبت هذا اتفق لي أن نظرت في كتاب ألف سليمان بن عبد الله البحراتي عليه من الله تعالى ما يستحق في مثالب جمع من الصحابة حاشى رضي الله تعالى عنهم فرأيت ما نصه:
روى أبو منصور أحد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن سعد بن عبد الله أنه سأل القائم المنتظر وهو طفل في حياة أبيه فقال له يا مولانا وابن مولانا روى لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه حتى أنه بعث في يوم الجمل رسولًا إلى عائشة وقال: إنك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغش الذي حصل منك وأوردت أولادك في موضع الهلاك بالجهالة فإن امتنعت وإلا طلقتك فأخبرنا يا مولانا عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمير المؤمنين فقال: إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم فخصهن بشرف الأمهات فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق ما دمنا على طاعة الله تعالى فأيتهن عصت الله تعالى بعدي بالخروج عليك فطلقها من الأزواج وأسقطها من شرف أمهات المؤمنين، ثم قال: وروى الطبرسي أيضًا في الاحتجاج عن الباقر أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال علي كرم الله تعالى وجهه: والله ما أراني إلا مطلقها فأنشد الله تعالى رجلًا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي لما قام فشهد فقام ثلاثة عشر رجلًا فشهدوا بذلك الحديث، ورأيت في بعض الأخبار التي لا تحضرني الآن ما هو صريح في وقوع الطلاق اه ما قاله البحراني عامله الله تعالى بعده.
وهذا لعمري من السفاهة والوقاحة والجسارة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بمكان وبطلانه أظهر من أن يخفى وركاكة ألفاظه تنادي على كذبه بأعلى صوت ولا أظنه قولًا مرضيًا عند من له أدنى عقل منهم فلعن الله تعالى من اختلقه وكذا من يعتقده، وأخرج الفريابي والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {النبى أولى بالمؤمنين منْ أَنْفُسهمْ وَهُوَ منْ أَنْفُسهمْ وأزواجه أمهاتهم} وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قال: كان في الحرف الأول {النبى أولى بالمؤمنين منْ أَنْفُسهمْ} وفي مصحف أبي رضي الله تعالى عنه كما روى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما {النبى أولى بالمؤمنين منْ أَنْفُسهمْ وأزواجه أمهاتهم} وإطلاق الأب عليه صلى الله عليه وسلم لأنه سبب للحياة الأبدية كما أن الأب سبب للحياة أيضًا بل هو عليه الصلاة والسلام أحق بالأبوة منه وعن مجاهد كل نبي أب لأمته، ومن هنا قيل في قول لوط {هؤلاء بناتي} [هود: 78] أنه أراد المؤمنات ووجه ما ذكر، ويلزم من هذه الأبوة على ماقيل إخوة المؤمنين.
ويعمل مما روى عن مجاهد أن الأبوة ليست من خصوصياته عليه الصلاة والسلام وهذا ليس كأمومة أزواجه فإنها على ما في المواهب من الخصوصيات فلا يحرم نكاح أزواج من عداه صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام من بعدهم على أحد من أممهم {وَأُوْلُوا الارحام} أي ذوو القرابات الشاملون للعصبات لا ما يقابلهم {بَعْضُهُمْ أولى ببَعْضٍ} في النفع بميراث وغيره من النفع المالي أو في التوارث ويؤيده سبب النزول الآتي ذكره {فى كتاب الله} أي فيما كتبه في اللوح أو فيما أنزله وهي آية المواريث أو هذه الآية أو فيما كتبه سبحانه وفرضه وقضاه {منَ المؤمنين والمهاجرين} صلة لأولى فمدخول {منْ} هو المفضل عليه وهي ابتدائية مثلها في قولك: زيد أفضل من عمرو أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى في كل نفع أو بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون بيانًا لأولو الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضًا من الأجانب، والأول هو الظاهر؛ وكان في المدينة توارث بالهجرة وبالموالاة في الدين فنسخ ذلك بآية آخر الأنفال أو بهذه الآية، وقيل: بالإجماع وأرادوا كشفه عن الناسخ وإلا فهو لا يكون ناسخًا كما لا يخفى، ورفع {بَعْضُهُمْ} يجوز أن يكون على البدلية وأن يكون على الابتداء و{فى كتاب} متعلق بأولى ويجوز أن يكون حالًا والعامل فيه معنى {أُوْلى} ولا يجوز على ما قال أبو البقاء أن يكون حالًا من {أُوْلُو} للفصل بالخبر ولأنه لا عامل إذًا، وقوله تعالى: {إلاَّ أَن تَفْعَلُوا إلى أَوْليَائكُمْ مَّعْرُوفًا} إما استثناء متصل من أعم ما تقدر الأولوية فيه من النفع كأنه قيل: القريب أولى من الأجنبي من المؤمنين والمهاجرين في كل نفسع من ميراث وصدقة وهدية ونحو ذلك إلا في الوصية فإنها المرادة بالمعروف فالأجنبي أحق بها من القريب الوارث فإنها لا تصح لوارث، وإما استثناء منقطع بناءً على أن المراد بما فيه الأولوية هو التوارث فيكون الاستثناء من خلاف الجنس المدلول عليه بفحوى الكلام كأنه قيل: لا تورثوا غير أولي الأرحام لكن فعلكم إلى أوليائكم من المؤمنين والمهاجرين الأجانب معروفًا وهو أن توصوا لمن أحببتم منهم بشيء جائز فيكون ذلك له بالوصية لا بالميراث، ويجوز أن يكون المعروف عامًا لما عدا الميراث، والمتبادر إلى الذهن انقطاع الاستثناء واقتصر عليه أبو البقاء ومكي وكذا الطبرسي وجعل المصدر مبتدأ محذوف الخبر كما أشرنا إليه.
وتفسير الأولياء بمن كان من المؤمنين والمهاجرين هو الذي يقتضيه السياق فهو من وضع الظاهر موضع الضمير بناءً على أن {منْ} فيما تقدم للابتداء لا للبيان، وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد تفسيره بالذين والى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية أنه قال: نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني، وأخرجوا عن قتادة أنه قال: الأولياء القرابة من أهل الشرك والمعروف الوصية؛ وحكي في البحر عن جماعة منهم الحسن وعطاء أن الأولياء يشمل القريب والأجنبي المؤمن والكافر وأن المعروف أعم من الوصية.
وقد أجازها للكافر القريب وكذا الأجنبي جماعة من الفقهاء والإمامية يجوزونها لبعض ذوي القرابة الكفار وهم الوالدان والولد لا غير، والنهي عن اتخاذ الكفار أولياء لا يقتضي النهي عن الإحسان إليهم والبر لهم.
وعدى {تَفْعَلُوا} بإلى لتضمنه معنى الإيصال والإسداء كأنه قيل: إلا أن تفعلوا مسدين إلى أوليائكم معروفًا {كَانَ ذَلكَ} أي ما ذكر في الآيتين أعني {ادعوهم لابَائهمْ} [الأحزاب: 5] و{النبى أولى بالمؤمنين منْ أَنْفُسهمْ} وجوز أن يكون إشارة إلى ما سبق من أول السورة إلى هنا أو إلى ما بعد قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ الله لرَجُلٍ مّن قَلْبَيْن} [الأحزاب: 4] أو إلى ما ذكر في الآية الأخيرة وفيه بحث {فى الكتاب} أي في اللوح أو القرآن وقيل في التوراة {مَسْطُورًا} أي مثبتًا بالإسطار وعن قتادة أنه قال في بعض القراءات: كان ذلك عند الله مكتوبًا أن لا يرث المشرك المؤمن فلا تغفل.
{وَإذْ أَخَذْنَا منَ النبيين ميثَاقَهُمْ} مقدر باذكر على أنه مفعول لا ظرف لفساد المعنى، وهو معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر كخذ هذا، وجوز أن يكون ذلك عطفًا على خبر {كان} وهو بعيد وإن كان قريبًا، ولما كان ما سبق متضمنًا أحكامًا شرعها الله تعالى وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية وأشياء مما كان في الإسلام أبطلت ونسخت اتبعه سبحانه بما فيه حث على التبليغ فقال عز وجل: {وَإذْ} الخ أي واذكر وقت أخذنا من النبيين كافة عهودهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعاء إلى الدين الحق وذلك على ما قال الزجاج وغيره وقت استخراج البشر من صلب آدم عليه السلام كالذر، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سبحانه أخذ من النبيين عهودهم بتصديق بعضهم بعضًا واتباع بعضهم بعضًا، وفي رواية أخرى عنه أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم بعضًا والإعلان بأن محمدًا رسول الله وإعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نبي بعده {وَمنْكَ وَمن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعيسَى ابن مَرْيَمَ} تخصيصهم بالذكر مع اندراجهم في النبيين اندراجًا بينًا للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع.
واشتهر أنهم هم أولو العزم من الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين وأخرج البزار عن أبي هريرة أنهم خيار ولد آدم عليهم الصلاة والسلام، وتقديم نبينا صلى الله عليه وسلم مع أنه آخرهم بعثة للإيذان بمزيد خطره الجليل أو لتقدمه في الخلق، فقد أخرج ابن أبي عاصم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب مرفوعًا بدىء بي الخلق وكنت آخرهم في البعث، وأخرج جماعة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث»، وكذا في الاستنباء فقد جاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام قال: «كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك؟ قال: وآدم بين الروح والجسد، ولا يضر فيما ذكر تقديم نوح عليه السلام في آية الشورى أعني قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى به نُوحًا} [الشورى: 3 1] الآية إذ لكل مقام مقال والمقام هناك وصف دين الإسلام بالأصالة والمناسب فيه تقديم نوح فكأنه قيل: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم وبعث عليه محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء في العهد الحديث وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء والمشاهير، وقال ابن المنير: السر في تقديمه صلى الله عليه وسلم أنه هو المخاطب والمنزل عليه هذا المتلو فكان أحق بالتقديم، وفيه بحث {وَأَخَذْنَا منْهُمْ ميثاقا غَليظًا} أي عهد عظيم الشأن أو وثيقًا قويًا وهذا هو الميثاق الأول وأخذه هو أخذه، والعطف مبني على تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَليظٍ} [هود: 8 5] إثر قوله سبحانه: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُوا مَعَهُ} [هود: 8 5] وفي ذلك من تفخيم الشأن ما فيه ولهذا لم يقل عز وجل: وإذ أخذنا من النبيين ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ميثاقًا غليظًا مثلًا، وقال سبحانه ما في النظم الكريم، وقيل: الميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى فيكون بعدما أخذ الله سبحانه من النبيين الميثاق بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الحق أكد باليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا فالميثاقان متغايران بالذات، وقوله عز وجل: {لّيَسْأَلَ الصادقين عَن صدْقهمْ}.
قيل متعلق بمضمر مستأنف مسوق لبيان علة الأخذ المذكور وغايته أي فعل الله تعالى ذلك ليسأل الخ وقيل: متعلق بأخذنا، وتعقب بأن المقصود تذكير نفس الميثاق ثم بيان علته وغايته بيانًا قصديًا كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى الغيبة، والمراد بالصادقين النبيون الذين أخذ ميثاقهم ووضع موضع ضميرهم للإيذان من أول الأمر بأنهم صادقوا فيما سئلوا عنه وإنما السؤال لحكمة تقتضيه أي ليسأل الله تعالى يوم القيامة النبيين الذين صدقوا عهودهم عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم أو عن تصديق أقوامهم إياهم، وسؤالهم عليهم السلام عن ذلك على الوجهين لتبكيت الكفرة المكذبين كما في قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسول فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ} [المائدة: 9 10] أو المراد بهم المصدقون بالنبيين، والمعنى ليسأل المصدقين للنبيين عن تصديقهم إياهم فيقال: هل صدقتم؟ وقيل: يقال لهم هل كان تصديقكم لوجه الله تعالى؟ ووجه إرادة ذلك أن مصدق الصادق صادق وتصديقه صدق، وقيل: المعنى ليسأل المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عندهم.
وتعقب بأنه يأباه مقام تذكير ميثاق النبيين {وَأَعَدَّ للكافرين عَذَابًا أَليمًا} قيل عطف على فعل مضمر متعلقًا فيما قبل، وقيل: على مقدر دل عليه {لّيَسْأَلَ} كأنه قيل فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين الخ، وقيل: على {أَخَذْنَا} وهو عطف معنوي كأنه قيل: أكد الله تعالى على النبيين الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد للكافرين. إلخ.
وقيل: على {يَسْئَلُ} بتأويله بالمضارع ولابد من ملاحظة مناسبة ليحسن العطف؛ وقيل: على مقدر وفي الكلام الاحتباك والتقدير ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد لهم ثوابًا عظيمًا ويسأل الكاذبين عن كذبهم وأعد لهم عذابًا أليمًا فحذف من كل منهما ما ثبت في الآخر، وقيل: إن الجملة حال من ضمير {يَسْئَلُ} بتقدير قد أو بدونه، ولا يخفى أقلها تكلفًا. اهـ.

.قال القاسمي:

{النَّبيُّ أَوْلَى بالْمُؤْمنينَ منْ أَنفُسهمْ} أي: في كل شيء من أمور الدين والدنيا، فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه، ويجعلوها فداءه إذا أعضل خَطْبٌ، ووقاءه إذا لقحت حربٌ، وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم، ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كلَّ ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرفهم عنه؛ لأن كل ما دعا إليه فهو إرشاد لهم إلى نيل النجاة، والظفر بسعادة الدارين، وما صرفهم عنه، فأخذ بحجزهم لئلا يتهافتوا فيما يرمي بهم إلى الشقاوة وعذاب النار. أفاده الزمخشري.
وهذا كما قال تعالى: {فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجدُوا في أَنْفُسهمْ حَرَجًا ممَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْليمًا} [النساء: 65]، وفي الصحيح: «والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، وماله، وولده، والناس أجمعين»: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} أي: في وجوب تعظيمهن واحترامهن، وتحريم نكاحهن، وفيما عدا ذلك كالأجنبيات؛ ولذا قال ابن كثير: ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن، أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي رضي الله عنه في المختصر وهو من باب إطلاق العبارة، لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية وأمثاله، خال المؤمنين؟ فيه قولان: وعن الشافعي أنه يقال ذلك. وهل يقال له صلى الله عليه وسلم: أبو المؤمنين؟ فيه قولان: فصح عن عائشة المنع، وهو أصح الوجهين للشافعية لقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ منْ رجَالكُمْ} [الأحزاب: 40]، وروي عن أُبيّ بن كعب وابن عباس رضي الله عنهما، أنهما قرآ: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وهو أبٌ لهم. وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد، أعلمكم. فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستطيب بيمينه». أفاده ابن كثير.
{وَأُوْلُو الْأَرْحَام} أي: ذوو القرابات: {بَعْضُهُمْ أَوْلَى ببَعْضٍ في كتَاب اللَّه} أي: فيما فرضه، أو فيما أوحاه إلى نبيّه عليه السلام: {منَ الْمُؤْمنينَ وَالْمُهَاجرينَ} بيان لأولي الأرحام، أو صلة ل: {أَوْلَى} {إلَّا أَن تَفْعَلُوا إلَى أَوْليَائكُم} أي: إخوانكم المؤمنين والمهاجرين غير الرحم: {مَّعْرُوفًا} أي: من صدقة ومواساة وهدية ووصية؛ فإن بسط اليد في المعروف مما حث الله عباده عليه، ويشارك فيه مع ذوي القربى وغيرهم.